أبي حيان الأندلسي

25

البحر المحيط في التفسير

عليه ولا منوي ، لأن من يتكلم بهذا الكلام فإنه لا ينوي لأمره مأمورا به وكأنه يقول : كان مني أمر فلم يكن منه طاعة كما أن من يقول : فلان يعطي ويمنع ويأمر وينهى غير قاصد إلى مفعول . فإن قلت : هلا كان ثبوت العلم بأن اللّه لا يأمر بالفحشاء وإنما يأمر بالقسط والخير دليلا على أن المراد أمرناهم بالخير فَفَسَقُوا ؟ قلت : لا يصح ذلك لأن قوله فَفَسَقُوا يدافعه فكأنك أظهرت شيئا وأنت تدّعي إضمار خلافه ، فكان صرف الأمر إلى المجاز هو الوجه . ونظير أمر شاء في أن مفعوله استفاض فيه الحذف لدلالة ما بعده عليه تقول : لو شاء لأحسن إليك ، ولو شاء لأساء إليك ، تريد لو شاء الإحسان ولو شاء الإساءة فلو ذهبت تضمر خلاف ما أظهرت وقلت : قد دلت حال من أسندت إليه المشيئة أنه من أهل الإحسان أو من أهل الإساءة فاترك الظاهر المنطوق به وأضمر ما دلت عليه حال صاحب المشيئة لم يكن على سداد انتهى . أما ما ارتكبه من المجاز وهو أن أَمَرْنا مُتْرَفِيها صببنا عليهم النعمة صبا فيبعد جدا . وأما قوله وأقدرهم على الخير والشر إلى آخره فمذهب الاعتزال ، وقوله لأن حذف ما لا دليل عليه غير جائز تعليل لا يصح فيما نحن بسبيله ، بل ثم ما يدل على حذفه . وقوله فكيف يحذف ما الدليل قائم على نقيضه إلى قوله علم الغيب ، فنقول : حذف الشيء تارة يكون لدلالة موافقه عليه ، ومنه ما مثل به في قوله أمرته فقام وأمرته فقرأ ، وتارة يكون لدلالة خلافه أو ضده أو نقيضه فمن ذلك قوله تعالى : وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ « 1 » قالوا : تقديره ما سكن وما تحرك . وقوله تعالى سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ « 2 » قالوا : الحر والبرد . وقول الشاعر : وما أدري إذا يممت أرضا * أريد الخير أيهما يليني أالخير الذي أنا أبتغيه * أم الشر الذي هو يبتغيني تقديره : أريد الخير وأجتنب الشر ، وتقول : أمرته فلم يحسن فليس المعنى أمرته بعدم الإحسان فلم يحسن ، بل المعنى أمرته بالإحسان فلم يحسن ، وهذه الآية من هذا القبيل يستدل على حذف النقيض بإثبات نقيضه ، ودلالة النقيض على النقيض كدلالة النظير على النظير ، وكذلك أمرته فأساء إليّ المعنى أمرته بالإساءة فأساء إليّ ، إنما يفهم منه أمرته بالإحسان فأساء إليّ . وقوله ولا يلزم هذا قولهم أمرته فعصاني . نقول : بل يلزم ، وقوله لأن

--> ( 1 ) سورة الأنعام : 3 / 13 . ( 2 ) سورة النحل : 16 / 81 .